فصل: مسألة في لباس ما لبس النصراني أو نسج:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة في الفارة تموت في البئر:

وقال مالك في ثياب أصابها ماء بئر وقعت فيه فارة فماتت وتسلخت، قال: أرى أن يغسل ما أصابه من الثياب، وأما الصلاة فلا يعيد إلا ما أدرك وقته.
قال محمد بن رشد: لم يبين في هذه الرواية إن كان الماء تغير من ذلك أو لم يتغير، وتأويلها يتخرج على الوجهين، فإن كان أراد أن الماء تغير من ذلك، فيحمل قوله: أرى أن يغسل ما أصابه من الثياب على الوجوب، ويحمل قوله على أن الصلاة لا يعيد منها إلا ما أدرك وقته على أنه لم يتوضأ من ذلك الماء، وإنما صلى بما أصابه ذلك الماء من الثياب؛ إذ لو توضأ من ذلك الماء وقد تغير لوجب أن يعيد الصلاة أبدا. وقد وقع ذلك من رواية ابن القاسم في هذا السماع في بعض الروايات، ونص ذلك: قال ابن القاسم عن مالك: إذا تغير لون الماء وطعمه أعاد أبدا، وهذا ما لا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف في تغير رائحته خاصة. وإن كان أراد أن الماء لم يتغير من ذلك، فيحمل قوله: إن الثياب تغسل من ذلك- على الاستحباب فيما لا يفسده الغسل كما قال ابن حبيب، وإعادة الصلاة من ذلك في الوقت صحيح كما قال على أصولهم، توضأ بذلك الماء أو صلى بالثياب التي أصابها ذلك الماء ولم يتوضأ به. وفرق في آخر سماع أشهب من هذا الكتاب بين أن يكون الماء فاسدا منتنا أو يكون ذلك فيه شيئا خفيفا. وسنتكلم على معنى ذلك إذا مررنا به إن شاء الله.

.مسألة في مس القرآن على غير طهارة:

وسئل مالك عن اللوح فيه القرآن أيمس على غير وضوء؟
فقال: أما الصبيان الذين يتعلمون فلا أرى بذلك بأسا. فقيل له: فالرجل يتعلم فيه؟ قال: أرجو أن يكون خفيفا. فقيل لابن القاسم: فالمعلم يشكل ألواح الصبيان وهو على غير وضوء؟ قال: أرى ذلك خفيفا.
قال محمد بن رشد: إنما خفف مالك رَحِمَهُ اللَّهُ للرجل الذي يتعلم القرآن أن يمس اللوح فيه القرآن، وخفف ذلك ابن القاسم أيضا للمعلم يشكل ألواح الصبيان؛ لأن النهي إنما ورد أن لا يمس القرآن إلا طاهر، وحقيقة لفظ القرآن إذا أطلق أن يقع على جملته، وإن كان قد يطلق ويراد به بعضه على ضرب من التجوز، فتقول: سمعت فلانا يقرأ القرآن وإن كنت لم تسمعه يقرأ منه إلا سورة واحدة أو آية واحدة فتكون صادقا في قولك. فلما كان لفظ القرآن يقع على كله وقد يقع على بعضه لم يتحقق ورود النهي في مس بعضه على غير طهارة، فمن أجل ذلك خفف للذي يتعلم القرآن أو يشكل ألواح الصبيان أن يمس اللوح فيه القرآن على غير وضوء لما يلحقه من المشقة في أن يتوضأ كلما أحدث، ولعل ذلك يكون في الأحيان التي يثقل فيها مس الماء فيكون ذلك سببا إلى المنع من تعلمه، وهذه هي العلة في تخفيف ذلك للصبيان؛ لأنهم وإن كانوا غير متعبدين، فآباؤهم فيهم متعبدون بمنعهم مما لا يحل كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير وما أشبه ذلك. ألا ترى أنه خفف لهم التضاريس يتعلمون فيها في الكتاب، وكره أن يمسوا فيها المصحف الجامع للقرآن إلا على وضوء. ومن الدليل على ما قلناه من الفرق بين جملة القرآن وبعضه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، وكتب إلى هرقل عظيم الروم: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم وأسلم يوتك الله عز وجل أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. و{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64] إلى قوله: {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52]». ولهذا جاز للرجل أن يكتب في الكتاب الآية والآيتين على غير وضوء في سماع أشهب من كتاب الصلاة. ومن هذا الكتاب في بعض الروايات أن الرجل لا يمس اللوح إذا قرأ فيه على غير وضوء، فإن لم يكن معناه على غير التعلم فهو معارض لهذه الرواية، فتأمل ذلك تجده صحيحا، والله أعلم.

.مسألة في الوضوء بسؤر الهر:

وسئل عن الهر يلغ في إناء رجل لوضوئه، أيتوضأ به؟ قال: نعم، وذلك يذكر.
قال محمد بن رشد: قوله: وذلك يذكر، يريد يذكر في السنة قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه: «إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات». فالهر على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك بهذا الحديث محمول على الطهارة حتى يرى في فمه نجاسة، بخلاف غيره من السباع والدجاج المخلاة، إلا في الماء الكثير لقول عمر بن الخطاب: لا تخبرنا يا صاحب الحوض، فإنا نرد على السباع وترد علينا، وإلا في الطعام فإنه لم ير في المدونة أن يطرح إلا بيقين لحرمته.

.مسألة في سؤال الماء للوضوء:

سئل ابن القاسم عن الرجل يكون في السفر يعجز ماؤه ومع أصحابه ماء، أترى أن يسألهم لوضوئه أم يتيمم؟ قال: أما المكان الكثير الماء فلا أرى بذلك بأسا، وأما الموضع الذي يتعذر فيه، فأرجو أن يكون واسعا.
قال محمد بن رشد: واجب على الرجل أن يطلب الماء لوضوئه إذا عدمه ولم يجد ممن يشتريه وهو واجد بما يشبه من الثمن على ما في المدونة ممن يليه ويظن أنه لا يمنعه ويعطيه لما قال في سماع أشهب من هذا الكتاب، وليس في قوله في هذه الرواية: فلا أرى بذلك بأسا، دليل على أن له أن يترك الطلب في المكان الكثير الماء الذي يقع في نفسه أنه لا يبخل فيه به عليه؛
لأن المعنى في سؤال السائل يكره له سؤال الماء من ناحية أن المسألة مكروهة، فأخبر أنه لا كراهية في السؤال في هذا الكتاب، وإذا انتفت عنه الكراهة تعلق به الوجوب لما يلزمه من الطهارة للصلاة. وقوله في آخر المسألة: وأرجو أن يكون ترك السؤال واسعا في الموضع الذي يتعذر فيه الماء يدل على أنه لا سعة له عنده في ترك السؤال في الموضع الذي يكثر فيه الماء بيان ما قلناه. وفي سماع أشهب من معنى هذه المسألة ما فيه بيان لها وبالله التوفيق.

.مسألة في حد التيمم في اليدين:

ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة:
وسئل مالك عمن أفتي بأن التيمم إلى الكفين فتيمم وصلى، ثم أخبر بعد ذلك أن التيمم إلى المرفقين، ما ترى أن يصنع؟ قال: أرأيت لو صلى منذ عشرين سنة أي شيء كنت آمره به؟ ثم قال: أرى أن يعيد ما دام في الوقت. قال مالك: لقد سمعت رجلا عظيما من أهل العلم يقول إلى المنكبين، واعجبا كيف قاله! فقيل له: إنه تأول هذه الآية: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، فقال: أين هو من آية الوضوء فيأخذ بهذا ويترك هذا؟ فيا عجبا مما يقوله!
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أن مالكا رَحِمَهُ اللَّهُ إنما تعجب ممن يقول إلى الكفين وجعل قوله إغراقا في الخطأ إذ من أهل العلم من يقول إلى المنكبين، فقيل له إنه قال إلى الكفين متأولا لآية السرقة فقال: أين هو من آية الوضوء؟ يريد أن رد الأيدي المطلقة في التيمم إلى الأيدي المقيدة في الوضوء بالمرفقين؛ إذ هو بدل منه أولى من ردها إلى الأيدي المطلقة في السرقة؛ لأن المعنى في ذلك مختلف، وذلك بين. ولا دليل في قول مالك: وأين هو من آية الوضوء؟ على أن الحكم عنده أن ترد آية التيمم إليها، إذ لو كان الحكم عنده أن ترد إليها لأوجب على من تيمم إلى الكوعين الإعادة أبدا، وإنما أراد أن حمل آية التيمم على آية الوضوء أولى من حملها على آية السرقة وإن كان هو لا يرى حملها على واحدة منهما؛ إذ لو حملها على آية السرقة لأمر المتيمم بالتيمم إلى الكوعين ابتداء، ولو حملها على آية الوضوء لأوجب الإعادة أبدا على من تيمم إلى الكوعين، فالآية عنده على إطلاقها غير مقيدة بآية الوضوء ولا بآية السرقة. فمن تيمم عنده إلى الكوعين أجزأه وإن كان لا يأمره بذلك ابتداء، ويرى عليه الإعادة في الوقت إن فعل مراعاة لقول من يرى آية التيمم محمولة على آية الوضوء، فيوجب التيمم إلى المرفقين على أصله في مراعاة الخلاف، ولم يراع قول من أوجب التيمم إلى المنكبين لشذوذه وبعده من النظر؛ لأن الآية إذا حملت على إطلاقها وجب أن يجزئ التيمم إلى الكوعين لوقوع اسم اليد على الكف إلى الكوع وألا يجب إلى المنكبين، وإن تناول ذلك اسم اليد عند العرب؛ لأن الأصل براءة الذمة من العبادات، فلا يجب منها شيء على أحد إلا بيقين. وقوله فيمن يتيمم إلى الكوعين إنه يعيد في الوقت، مثله في المدونة وفي سماع محمد بن خالد من هذا الكتاب. وقال أصبغ في مختصر ابن أبي زيد: والوقت في ذلك وقت الصلاة المفروضة، وقال ابن نافع ومحمد بن عبد الحكم يعيد أبدا، وقولهما على قياس القول بأن آية التيمم محمولة على آية الوضوء. ولابن لبابة في هذه المسألة اختيار غريب، وهو أن الجنب يتيمم إلى الكعبين وأن المحدث حدث الوضوء يتيمم إلى المنكبين، اتبع في ذلك ظواهر آثار جلبها فانظر ذلك وتدبره.

.مسألة في صفة تيمم الأقطع:

وسئل مالك أيتيمم الأقطع للصلاة؟ قال: نعم، فقيل له: وكيف يتيمم؟ فقال: كيف يتوضأ، فقيل له يوضئه غيره، قال: كما يتوضأ كذلك يتيمم، فقلت له: هو مثله؟ قال: نعم، التيمم مثل الوضوء.
قال محمد بن رشد: أما وجهه فلا كلام عليه في أنه يتيمم كما يتوضأ، وكذلك يداه على مذهب مالك ييمم ما بقي منهما إلى المرافق، ويسقط عنه التيمم فيهما على مذهب من يرى أن التيمم إلى الكوعين، وبالله التوفيق.

.مسألة في وضوء الجماعة من إناء واحد:

وحدثني ابن القاسم عن مالك عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص أنه كان لهم مركن يسكب فيه الماء فيتوضأ منه أبوها وأهل البيت.
قال محمد بن رشد: المركن الإجانة التي تغسل فيها الثياب، قاله الهروي. وفائدة هذا الحديث إجازة وضوء المرأة بفضل الرجل ووضوء الرجل بفضل المرأة؛ لأنه الظاهر منه، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه لا اختلاف بينهم في ذلك. ومن الحجة لهم «قول عبد الله بن عمر في الموطأ: إن كان الرجال والنساء ليتوضئون جميعا في زمن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». وهذه مسألة لأهل العلم فيها خمسة أقوال: أحدها: قول مالك هذا وجميع أصحابه، والثاني: أنه لا يتوضأ واحد منهما بفضل صاحبه شرعا معا أو غاب أحدهما عن الوضوء، والثالث: أنه تتوضأ المرأة بفضل الرجل ولا يتوضأ الرجل بفضل المرأة، والرابع: أنه يتوضأ كل واحد منهما بفضل صاحبه إذا شرعا معا. بخلاف إذا غاب أحدهما على الوضوء، والخامس: أنه لا بأس أن يتوضأ كل واحد منهما بفضل صاحبه ما لم يكن الرجل جنبا أو المرأة حائضا أو جنبا. وقد قيل: إن عائشة هذه صحابية، وإن مالكا رَحِمَهُ اللَّهُ أدركها فهو بذلك من التابعين. والصحيح أنها ليست صحابية؛ لأن الكلاباذي ذكرها في التابعات ولم يذكرها ابن عبد البر في الصحابيات، فانظر ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة في تدلك المغتسل:

قيل لسحنون: أرأيت قول مالك لا يجزئ الجنب الغسل حتى يمر يديه على جميع جسده كله ويتدلك، أرأيت لو أن رجلا بادنا لا يقدر أن يعم بيديه جميع جسده، قال فليوكل رجلا أو امرأة تجري يدهما على ما قصر عنه يد المغتسل. قيل له: فإن كان في سفر وليس معه أحد؟ قال: فليأخذ ثوبا وليبله ويمره على المواضع التي لا يبلغها بيده.
قال محمد بن رشد: المشهور من قول مالك في المدونة وغيرها أن الغسل لا يجزئ الجنب حتى يمر بيده على جميع جسده ويتدلك قياسا على الوضوء أنه لا يجزئ فيه صب الماء دون إمرار اليد. وقد روى مروان بن محمد الطاطري الشامي عن مالك أن الجنب يجزئه الغسل وإن لم يتدلك وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم، لما في الحديث من قوله: «ثم اغتسل وأفاض عليه الماء»، ولم يذكر عركا ولا دلكا.
وقد قال أبو الفرج: إنما قال مالك: لا يجزئ الجنب الغسل إلا أن يتدلك- مخافة أن ينبو الماء عن بعض جسده، ولو أطال البقاء في الماء حتى يوقن بوصول الماء إلى جميع جسده لأجزأه الغسل على مذهبه وإن لم يتدلك. وهذا من التأويل البعيد، والصواب أن ذلك اختلاف من قوله. فإذا لم يدرك الجنب جميع جسده فالصواب ما ذهب إليه ابن حبيب من أنه يمر يديه على كل ما أدركه من جسده ويوالي صب الماء على ما لم يدركه منه، ويجزيه غسله مراعاة للاختلاف في ذلك، ولأنه أشبه بيسر الدين، وبالله التوفيق.

.مسألة في لباس ما لبس النصراني أو نسج:

وسئل عن الرجل يشتري من النصراني الخفين أيلبسهما؟ قال: لا، فقيل: فثوبه؟ قال: الذي يلبسه؟ قال: نعم، نعم قال: لا حتى يغسله. قيل له: فما ينسجون، فإنهم يبلون الخمر ويحركونه بأيديهم ويسقون به الثياب قبل أن تنسج وهم أهل نجاسة؟ قال: لا بأس بذلك، ولم يزل الناس يلبسونها قديما.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة، وهو كما قال، ولا فرق في القياس بين ما نسجوا ولبسوا، وإنما هو الاتباع وقد أجاز محمد بن عبد الحكم أن يصلي فيما لبس النصراني. ووجه قوله أنه حمله على الطهارة حتى يوقن فيه بالنجاسة خلاف مذهب مالك، ومعنى ذلك عندي فيما لم يطل مغيبه عليه ولباسه إياه؛ لأنه إذا طال مغيبه عليه ولباسه إياه لم يصح أن يحمل على الطهارة؛ لأن الظن يغلب على أنه لم يسلم من النجاسة. وقد اختلف إذا أسلم هل يصلي في ثيابه التي كان يلبسها قبل أن يغسلها، فوقع لزياد بن عبد الرحمن في سماع موسى من هذا الكتاب أنه لا يغسل منها إلا ما علم فيه نجاسة. وروى أشهب عن مالك في رسم الصلاة الثاني من سماعه من كتاب الصلاة أنه لا يصلي فيها حتى يغسلها. وإذا أيقن بطهارتها من النجاسة فالاختلاف في وجوب غسلها يجري على اختلافهم في طهارة عرق النصراني والمخمور، وبالله التوفيق.

.مسألة في غسل النجاسة:

وسئل عن قطيفة كان ينام عليها رجل فوجد في وسعها وزغة قد ماتت كأنه بات عليها ولم يجد فيها الدم، قال يغسلها، يريد بذلك الموضع.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ما تعلق بالقطيفة من الوزغة الميتة نجس وإن لم يكن دما لأنه ميتة. وقوله: يريد بذلك الموضع صحيح؛ إذ ليس عليه أن يغسل القطيفة كلها، وإنما عليه أن يغسل الأثر الذي رأى فيها، ولا شيء عليه في سائرها إلا أن يشك فيه فينضحه والأصل في ذلك حديث عمر بن الخطاب، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذا وجد الاحتلام في ثوبه فغسل ما رأى ونضح ما لم ير.

.مسألة في الاستبراء من البول:

وسئل عما يعمل الناس عند البول من أن يبول الرجل ثم يقوم فيقعد ثم يكثر السلت، قال: ليس ذلك بصواب، وقد كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن به حرارة شديدة وإن كان ليقوم في الشيء القريب مرارا فيبول مرارا ويتوضأ ويرجع مكانه، فما رأيت أحدا كان أسرع رجوعا منه ولا أخف وضوءا، فذكر ذلك لابن هرمز، فقال: إنه فقيه، وأعجبه ذلك منه، فقال له الرجل: إني أجد الشيء يخرج مني بعدما أبول فلا تطيب نفسي، فقال: إنما ذلك من الشيطان، وكره ذلك.
قال محمد بن رشد: قد تكرر هذا المعنى في رسم الوضوء والجهاد بأوعب من هذا، وليس فيه ما يشكل فيتكلم عليه؛ لأنه من فعل الشيطان ووسوسته التي أقدره الله عليها ومكنه منها ابتلاء لعباده؛ ليجزي المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء بعصيانه، فهو يلبس على الناس ويفسد عليهم طاعتهم بما يلقي في نفوسهم من التقصير فيها، فالذي يومر به من اعتراه شيء من ذلك أن يضرب عنه ولا يلتفت إليه، فإن ذلك يقطعه بفضل الله ورحمته. وقد سئل ربيعة عن الرجل يمسح ذكره من البول ثم يتوضأ فيجد البلل، فقال: لا بأس به، فقد بلغ محنته وأدى فريضته.

.مسألة في قدر ما يتوضأ به من الماء:

وقال مالك: قد رأيت عياش بن عبد الله بن معبد، وكان رجلا صالحا من أهل الفقه والفضل، يأخذ القدح فيجعل فيه قدر ثلث المد ماء بمد هشام، فيتوضأ به ويفضل منه، ثم يقوم فيصلي بالناس وهو إمام، وأعجب مالكا ذلك من فعله.
قال محمد بن رشد: إنما أعجب مالكا فعله واستحبه؛ لأن السنة في الغسل والوضوء إحكام الغسل مع قلة الماء، فقد «روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ بمد وتطهر بصاع» وهو أربعة أمداد. وروي عنه أنه «توضأ بنصف المد»، وذلك لا يقدر عليه إلا العالم السالم من وسوسة الشيطان. وإلى فعل عياش هذا أشار مالك في المدونة بقوله: وقد كان بعض من مضى يتوضأ بثلث المد، يريد مد هشام؛ لأن ثلث مد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسير جدا لا يمكن إحكام الوضوء به، والله أعلم وبالله التوفيق.

.مسألة في نقل المتوضئ الماء إلى أعضائه:

وسئل مالك عن الرجل يأخذ الماء لوضوئه، فإذا حمل الماء نفض يديه من الماء، قال: لا خير فيه، وكرهه.
قال محمد بن رشد: إنما قال: لا خير فيه؛ لأن الغسل إنما يكون بنقل الماء إلى العضو المغسول، فإذا نفض يديه من الماء ورفعهما إلى وجهه مبلولتين فليس بغاسل وجهه وإنما هو ماسح، فلا يجزئه ذلك إلا فيما يمسح لا فيما يغسل. وليس في قوله: وكرهه- دليل على أنه إن فعله أجزأه؛ لأنه قد يطلق هذا اللفظ كثيرا فيما لا يجوز سواه، من ذلك قوله في المدونة: لا يتوضأ بشيء من الأنبذة ولا العسل الممزوج بالماء، والتيمم أحب إلي من ذلك، وهو الواجب الذي لا يجوز سواه، فكذلك هذا، والله أعلم وبه التوفيق.

.مسألة في الاكتفاء في الاستنجاء بالأحجار:

ومن كتاب أوله سن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
وسئل مالك عن رجل استنجى بأحجار ثم توضأ ولم يستنج بالماء ثم صلى، أيعيد؟ قال مالك: لا يعيد شيئا مما صلى به، لا في وقت ولا في غيره.
قال محمد بن رشد: يريد بقوله: استنجى بأحجار؛ أي بثلاثة أحجار؛ لأنه المستحب في الاستنجاء، لما روي «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن الاستطابة، فقال: أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار، فإن أنقى بحجر أو حجرين اكتفى به أو بهما». وقيل: يمسح بتمام الثلاثة الأحجار، فإن اكتفى بالحجر أو الحجرين فلا إعادة عليه، قاله في رسم أسلم من سماع عيسى. وفي سماع أبي زيد: وكذلك إن اكتفى بمدرة فلا إعادة عليه، قاله في رسم المحرم بعد هذا من هذا السماع. زاد في المدونة: وليغسل ما هنالك بالماء لما يستقبل. وهذا كله ما لم يعد ذلك المخرج، فإن عدا المخرج بكثير أعاد في الوقت، واختلف إن عداه إلى ما لابد منه، فقيل: لا إعادة عليه، وقيل: يعيد في الوقت، والماء أطهر وأطيب، ومن قدر على الجمع بين الأحجار والماء فهو أولى وأحسن. وقد كان أهل قباء يفعلون ذلك، فنزلت فيهم: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108]، وقال ابن حبيب: لا نبيح اليوم الاستنجاء بالأحجار إلا لمن لم يجد الماء؛ لأنه أمر قد ترك وجرى العمل بخلافه، وبالله التوفيق.

.مسألة في المسح على الحائل للضرورة:

قال مالك: في الرجل يشتكي أصابع يده فتنكسر أظافره فيجعل عليها علكا؛ لأن تنبت ويحسن نباتها ويتوضأ على العلك، قال: أرجو إذا كان بهذه الحال أن يكون خفيفا وهو في سعة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه مما تدعو إليه الضرورة، فيمسح عليها كالجبيرة.

.مسألة فيما يكره الاستنجاء به:

وسمعت مالكا يكره أن يستنجى بالعظم والروث.
قال محمد بن رشد: روي «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن الاستنجاء بالعظم والجلد والبعرة والروثة والحممة»، فكره من ذلك مالك في هذه الرواية العظم والروث، وخفف العظم في رواية أشهب من هذا الكتاب، والروث في المجموعة. قال ابن حبيب: واتباع النهي في تجنب ذلك كله أحب إلي. وقد اختلف إن استنجى بشيء مما نهي عن الاستنجاء به، فقيل: إنه لا إعادة عليه، وهو قول ابن حبيب، وقيل: إنه يعيد في الوقت، والوقت في ذلك وقت الصلاة المفروضة، روي ذلك عن أصبغ، وكذلك عنده من استنجى بعود أو خرق أو خزف. فوجه القول الأول: أن الاستنجاء إنما هو لعلة إزالة الأذى عن المخرجين، فإذا أزال الأذى بما عدا الأحجار ارتفع الحكم كما لو زال بالأحجار. ووجه القول الثاني: أن إزالة الأذى عن المخرجين مخصوص بالأحجار؛ لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار» ولقوله: «من استجمر فليوتر»، فلا يجزي فيه ما عداها إلا الماء؛ لقوله: «إنه أطهر وأطيب». ومما أجمعوا أنه لا يجوز الاستنجاء به كل ما له حرمة من الأطعمة، وكل ما فيه رطوبة من النجاسات، فإن استنجى بشيء مما له حرمة أعاد في الوقت عند أصبغ، وإن استنجى بما فيه رطوبة من النجاسات أعاد في الوقت قولا واحدا.

.مسألة في المسافر وصاحب الشجة يريد أحدهما إصابة أهله:

وسئل مالك عن الرجل تصيبه الشجة أو تنكسر يده فيربط عليها عصايب، فيريد أن يصيب أهله وهو بتلك الحال، فقال مالك: أرجو أن لا يكون بذلك بأس، ولعل ذلك يطول عليه وهو محتاج إلى أهله، فلا أرى بذلك بأسا، ولا يشبه المسافر الذي لا يجد الماء، فإذا برأ غسل الموضع.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة، وإنما افترق حكم المسافر من صاحب الشجة؛ لأن صاحب الشجة يطول أمره إلى برء شجته في أغلب الأحوال، والمسافر يجد الماء عن قرب في أغلب الأحوال. ولو كان المسافر في موضع يعلم أنه لا يجد الماء إلا بعد طول لكان له أن يطأ أهله إذا أضر به طول الانتظار. وقد حكى ذلك ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وحكى فيه حديثا. ولو كان صاحب الشجة تبرأ شجته عن قريب لما كان له أن يبطأ حتى تبرأ شجته، فيمكنه غسل ذلك الموضع في غسله. وهذا بين؛ لأن الأحكام إنما تتعلق بالمعاني لا بالأسماء إلا فيما قرر الشرع أن الحكم يتعلق بها. وهذا كله في الاختيار وما يستحب له أن يفعل. وأما أن يكون على واحد منها التربص واجبا فلا. وقد روى ابن وهب عن الليث بن سعد أن للمسافر أن يطأ أهله، وإن لم يكن عنده ماء تيمم وصلى، واختاره ابن وهب وقال: الصعيد الطيب يقوم مقام الماء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] الآية وبالله التوفيق.

.مسألة في غسل الجنابة يوم الجمعة هل يجزي أحدهما عن الآخر:

وسئل مالك عن رجل قام من الليل فاحتلم فأصبح ولم يشعر، وكانت ليلة جمعة، فحضرت الصلاة فاغتسل للجمعة ثم راح وصلى، ثم علم بذلك فوجده في ثوبه، فقال: أرى أن يغتسل الثانية ويعيد الصلاة ظهرا أربعا. فقيل له: ألا ترى غسل الجمعة يكفيه؟ قال: لا، «إنما الأعمال بالنية». قال ابن القاسم: قال لي مالك: يجزئ غسل الجمعة عن غسل الجنابة إذا نوى به. قال ابن القاسم: ويجزيه عن غسل الجنابة من غسل الجمعة إذا كان عند الرواح.
قال محمد بن رشد: قوله: إن غسل الجمعة لا يجزئ من غسل الجنابة- هو مثل ما في المدونة، وحكاه ابن حبيب أيضا عن مالك من رواية ابن القاسم وعن ابن عبد الحكم وأصبغ، وحكى خلاف ذلك عن مالك أنه يجزيه من رواية مطرف وابن الماجشون وابن نافع وأشهب وابن كنانة وابن وهب.
قال: وليس غسل الجمعة كمن اغتسل تبردا، وإنما هو كمن توضأ للنافلة أو للنوم فإنه يصلي به الفريضة عند مالك وجميع أصحابه ابن القاسم وغيره. والقول الأول أظهر؛ لأن الذي اغتسل للجمعة وهو لا يعلم بالجنابة لم يقصد إلى رفع حدث الجنابة؛ إذ لم يعلم بها، وإنما اغتسل للجمعة غسل سنة لا لرفع حدث؛ إذ قد يجوز له شهود الجمعة بغير غسل، فوجب أن لا يرتفع عنه الحدث به، وليس ذلك كالذي يتوضأ للنوم؛ لأن الذي يتوضأ للنوم وإن كان الوضوء له استحبابا؛ إذ يجوز له النوم بغير وضوء، فقد قصد به إلى رفع الحدث إذا كان محدثا قد علم بحدثه. وأما الذي يتوضأ للنافلة فلا إشكال في الفرق بينه وبين الذي اغتسل للجمعة ناسيا للجنابة؛ لأن النافلة لا تجوز إلا بوضوء والجمعة تجوز بغير غسل. ووجه القول الأول ظاهر لقول النبي، عَلَيْهِ السَّلَامُ: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل» ووجه الدليل منه أنه قال: «ومن اغتسل فالغسل أفضل»، فجعل الغسل الذي هو سنة يجزئ عن الوضوء الذي هو فرض، فوجب على قياس ذلك أن يجزئ عن الغسل للجنابة الذي هو فرض. وقوله: إن غسل الجمعة يجزيه عن غسل الجنابة إذا نوى به صحيح، مثل ما في الصلاة الثاني من المدونة. وقد روى أبو حامد الأسفراييني عن مالك أن الغسل لا يجزيه إذا نوى به الجنابة والجمعة جميعا، وهو بعيد شاذ. وأما قوله: إنه يجزئ غسل الجنابة من غسل الجمعة إذا كان عند الرواح فهو صحيح؛ لأن غسل الجمعة ليس لرفع حدث، وإنما هو لما شرع لها من التنظف وقد حصل التنظف لها بالغسل للجنابة، واقتضت نية الغسل للجنابة نية الغسل للجمعة؛ لأنها أوجب منها فاستغرقتها، وقد حكى ابن حبيب أن ذلك يجزئ، وهذا أصح لما بيناه، والله أعلم وبه التوفيق.
ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا:

.مسألة في تخليل اللحية في غسل الجنابة:

وسئل مالك عن الجنب إذا اغتسل أيخلل لحيته؟ قال: ليس ذلك عليه، وقال أشهب عن مالك: إن عليه تخليل اللحية من الجنابة. «ويذكر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخلل أصول شعر رأسه من الجنابة».
قال محمد بن رشد: وجه رواية ابن القاسم عن مالك بإسقاط وجوب تخليل اللحية في الغسل من الجنابة أن الأصل كان ألا يجب تخليل شعر الرأس واللحية؛ لأنه من أصل الخلقة، فإذا كشف صار ما تحته من البواطن، وانتقل فرض الغسل إليه، فخرج من ذلك تخليل شعر الرأس بما ثبت في الحديث، من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كان يخلل شعر رأسه من الجنابة»، وبقي شعر اللحية على الأصل. ووجه رواية أشهب بإيجاب تخليلها القياس على شعر الرأس، وما روي من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اغسلوا الشعر وانقوا البشر فإن تحت كل شعر جنابة»، فعم ولم يخص، وبالله التوفيق.